زكريا القزويني
321
آثار البلاد واخبار العباد
وينسب إليها الوزير عليّ بن عيسى وزير المقتدر ووزير ابنه المطيع . ركب يوم الموسم كما كان الوزراء يركبون في موكب عظيم ، فرآه جمع من الغرباء قالوا : من هذا ؟ وكانت امرأة عجوز تمشي على الطريق قالت : كم تقولون من هذا ؟ هذا واحد سقط من عين اللّه تعالى ، فابتلاه اللّه بهذا كما ترونه ! فسمع هذا القول عليّ بن عيسى ، فرجع إلى بيته واستعفى من الوزارة وجاور مكّة إلى أن مات . وينسب إليها أبو نصر بشر بن الحرث الحافي . ذكر أيّوب العطّار انّه قال له بشر : ألا أحدّثك عن بدو أمري ؟ بينا أنا أمشي إذ رأيت قرطاسا على وجه الأرض عليه اسم اللّه تعالى ، فأخذته وكنت لا أملك إلّا درهما واحدا اشتريت به الماورد والمسك ، غسلت القرطاس بالماورد وطيّبته بالمسك ثمّ رجعت إلى منزلي ونمت ، فأتاني آت يقول : طيّبت اسمي لأطيّبنّ ذكرك وطهرته لأطهّرنّ قلبك ! وحكت زبيدة أخت بشر أن بشرا دخل عليّ ليلة من الليالي ، فوضع إحدى رجليه داخل الدار والأخرى خارجها وهو كذلك إلى أن أصبح ، فقلت له : في ماذا كنت تفكّر ؟ قال : في بشر اليهودي وبشر النصراني وبشر المجوسي ! ونفسي ما الذي سبق مني حتى خصّني اللّه تعالى دونهم ؟ فتفكّرت في تفضيله وحمدته على أن جعلني من خاصّته وألبسني لباس أحبّائه . وحكي أن بشرا الحافي دعي إلى دعوة ، فلمّا وضع الطعام بين يديه أراد أن يمدّ يده إليه فما امتدّت حتى فعل ذلك ثلاث مرّات فقال بعض الحاضرين الذي كان يعرف بشرا : ما كان لصاحب الدعوة حاجة إلى إحضار من أظهر أن طعامه ذو شبهة . وحكي أن أحمد بن حنبل سئل عن مسألة في الورع فقال : لا يحلّ لي أن أتكلّم في الورع وأنا آكل من غلّة بغداد ! لو كان بشر بن الحرث حاضرا لأجابك فإنّه لا يأكل من غلّة بغداد ولا من طعام السواد ! توفي سنة تسع وعشرين